السيد كمال الحيدري
415
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
والسؤال المطروح بإزاء ذلك كلّه ، هو : هل تعنى بشرية هذا الخليفة وأرضيّته أنّ دائرة خلافته مختصّة بالأرض فقط دون ما سواها ، خاصّة عند الأخذ بنظر الاعتبار قرينة : « في الأرض » في قوله سبحانه : إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً ؟ الحقيقة ليس الأمر كذلك ، وصيغة الآية تدلّ على عدم انحصار الخلافة في الأرض ، لأنّ الجار والمجرور في قوله سبحانه : فِى الْأَرْضِ متعلّق بالجعل ، لا أنّه قيد للخلافة . فالصيغة في الآية لا تفيد أنّ خلافة هذا الخليفة في الأرض وإنّما جعله في الأرض ، أمّا متعلّق الخلافة وسعة دائرتها فهو ما لم تتحدّث عنه الآية ، ومن ثمّ لا يصحّ الاستدلال بها على حصر الخلافة في الأرض . أجل ، ربما يقع شئ من الخلط بين هذه الصيغة في آية سورة البقرة حيث يدور الحديث ، وبين قوله سبحانه في سورة ( ص ) : يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ « 1 » للاستدلال على انحصار دائرة الخلافة في الأرض دون غيرها من عوالم الإمكان . ومع ذلك فإنّ في دلالة هذه الآية على انحصار الخلافة في الأرض كلاماً أثاره المفسِّرون في بحوثهم التفصيليّة . لكن ما دام الحديث يدور عن آية الاستخلاف من سورة « البقرة » حيث قوله سبحانه : إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً ، فإنّ هذه الصيغة لا تدلّ على الانحصار ، لأنّ الجار والمجرور « في الأرض » متعلّق بالجعل ، ليكون المعنى أنّ لهذا الخليفة بُعداً أو حيثيّة أرضيّة . أمّا أنّه خليفة الله في هذه المساحة دون غيرها فلا دلالة عليه من النصّ ، بل ثمَّ في مشهد سورة « البقرة » ما يدلّ على أنّ دائرة خلافة هذا الموجود لا تختصّ بالأرض وإنّما تمتدّ إلى عالم الإمكان برمّته ، كما يفيده قوله سبحانه : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، وكذلك بشهادة قوله : فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ من سورة الحجر « 2 » .
--> ( 1 ) الآية 26 . ( 2 ) الآية 30 .